الخطيب الشربيني
196
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وقصرتم فكونوا من أهل الظراب ، فإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق ، فإني قد رأيت أناسا يتهاوشون كثيرا » « 1 » . وعن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في قبة نحوا من أربعين فقال : « أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة ؟ قلنا : نعم ، قال : أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة ؟ قلنا : نعم ، قال : والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر » « 2 » . وتقدم في الحديث المار أنهم ثلثا أهل الجنة ولا منافاة لأنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر أولا بالقليل ثم أطلعه الله تعالى على الزيادة . ولما أتم وصف أصحاب الجنة أتبعه أضدادهم بقوله تعالى : وَأَصْحابُ الشِّمالِ أي : الجهة التي تتشاءم العرب بها ويعبر بها عن الشيء الأخس والحظ الأنقص قال البقاعي : والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما أن أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال تعالى : ما أَصْحابُ الشِّمالِ أي : أنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه وسماهم بذلك لأنهم يأخذون كتبهم بشمالهم ثم بين متقلبهم وما أعدّ لهم من العذاب فقال تعالى : فِي سَمُومٍ أي : ريح حارة من النار تنفذ في المسام وَحَمِيمٍ أي : ماء حار بالغ في الحرارة إلى حدّ يذيب اللحم وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ أي : دخان أسود كالحمم أي الفحم شديد السواد ؛ وقيل : النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود ؛ وقيل : اليحموم اسم من أسماء النار ؛ قال الرازي : وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما لأنهم إن تعرضوا لمهب الهواء أصابهم السموم ، وإن استكنوا كما يفعل الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان بالكن يكونون في ظلّ من يحموم ، وإن أرادوا التبرّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم فلا انفكاك لهم من العذاب ؛ أو يقال : أن السموم تضربه فيعطس وتلتهب نار السموم في أحشائه فيشرب الماء فيقطع أمعاءه فيريد الاستظلال بظل فيكون ذلك الظل اليحموم ؛ وذكر السموم والحميم دون النار تنبيها بالأدنى على الأعلى كأنه قال أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرّها ؟ وقوله تعالى لا بارِدٍ أي : ليروح النفس وَلا كَرِيمٍ أي : ليؤنس به ويلجأ إليه صفتان للظل كقوله تعالى : مِنْ يَحْمُومٍ وقال الضحاك : لا بارد أي : كغيره من الظلال بل حار لأنه من دخان شفير جهنم ولا كريم عذب ؛ وقال سعيد بن المسيب : ولا حسن منظره وكل شيء لا خير فيه ليس بكريم فسماه ظلا ونفى عنه برد الظل وروحه ونفعه من يأوى إليه من أذى الحرّ ، وذلك كرمه ليمحو ما في مدلول الظن من الاسترواح إليه ، والمعنى : أنه ظل حارّ ضارّ إلا أن للنفي في نحو هذا شأنا ليس للإثبات وفيه تهكم بأصحاب المشأمة وأنهم لا يستأهلون الظل البارد الكريم الذي هو لأضدادهم في الجنة . ثم بين استحقاقهم لذلك بقوله تعالى : إِنَّهُمْ كانُوا أي : في الدنيا ( قبل ذلك ) أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه مُتْرَفِينَ أي : أنهم إنما استحقوا هذه العقوبة لأنهم كانوا في الدنيا في سعة من العيش متمكنين في الشهوات مستمتعين بها متمكنين منها وَكانُوا يُصِرُّونَ أي : يقيمون
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 401 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 221 ، والترمذي في الجنة حديث 2547 .